ابن خلكان
380
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وحكى أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم الخالديان الشاعران المشهوران في كتاب « الهدايا والتحف » « 1 » أن الخبز أرزي أهدى إلى ابن يزداد والي البصرة فصا وكتب معه : أهديت ما لو أن أضعافه * مطّرح عندك ما بانا كمثل بلقيس التي لم يبن * إهداؤها عند سليمانا هذا امتحان لك إن ترضه * بان لنا أنك ترضانا والشيء بالشيء يذكر - وجدت في هذا الكتاب نادرة طريفة فأحببت ذكرها ، وهي « 2 » : كان بأصبهان رجل حسن النعمة واسع النفس كامل المروءة يقال له سماك بن النعمان ، وكان يهوى مغنية من أهل أصبهان لها قدر ومعنى تعرف بأم عمرو . فلإفراط حبه إياها وصبابته بها « 3 » وهبها عدة من ضياعه ، وكتب عليه بذلك كتبا ، وحمل الكتب إليها على بغل ، فشاع الخبر بذلك ، وتحدث الناس به واستعظموه ؛ وكان بأصبهان رجل متخلف بيّن الركاكة يهوى مغنية أخرى فلما اتصل به ذلك ظن بجهله وقلة عقله أن سماكا أهدى إلى أم عمرو جلودا بيضا لا كتابة فيها ، وأن هذا من الهدايا التي تستحسن ويجلّ موقعها عند من تهدى إليه ، فابتاع جلودا كثيرة ، وحملها على بغلين لتكون هديته ضعف هدية سماك ، وأنفذها إلى التي يحب ، فلما وصلت الجلود إليها ووقفت على الخبر فيها تغيظت عليه ، وكتبت إليه رقعة تشتمه وتحلف أنها لا تكلمه أبدا ، وسألت بعض الشعراء أن يعمل أبياتا في هذا المعنى لتودعها الرقعة ، ففعل ، وكانت الأبيات : لا عاد طوعك من عصاكا * وحرمت من وصل مناكا « 4 » فلقد فضحت العاشقي * ن بقبح ما فعلت يداكا
--> ( 1 ) انظر الهدايا والتحف : 22 - 23 ؛ وفي ر : الهديات والتحف . ( 2 ) المصدر السابق : 176 - 177 . ( 3 ) ر : فلما أفرط حبه فيها وكثرت صبابته بها . ( 4 ) ق : وعدمت . . . رضاكا .